تمت مشاهدتها : 5079 مرة

كلمة العدد

Font size: Decrease font Enlarge font

كلمة العدد

النقابات المهنيّة ... الدور والأهميّة

بقلم نقيب المحامين

في الجمهورية العربية السورية

تعتبر النقابات المهنية من أهم قطاعات ومؤسسات المجتمع المدني السوري المتحضر بل هي محور هذا المجتمع ، وتنبع أهمية هذا الدور من خلال تمثيل هذه النقابات لشريحة واسعة من شرائح المجتمع التي تمتاز بالمستوى التعليمي المتقدم ، والثقافة المجتمعية والسياسية ، والمستوى الاقتصادي الجيد على الأغلب ودور النقابات المهنية لم يقتصر يوماً بالدفاع عن مصالح أعضائها وحسب ، بل اتسع ليشمل الرعاية والتوجيه والمشاركة الفاعلة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للدولة والمجتمع معاً ، ولتأخذ موقعاً ريادياً وقيادياً جنباً إلى جنب مع مؤسسات صنع القرار السياسي والاقتصادي ، ورديفاً وداعماً واستشارياً ومراقباً للأداء ناقداً حيناً ومصوباً حيناً آخر ، وداعماً ومؤيداً ومساعداً في أغلب الأحيان ، ومن هنا كانت توجيهات السيد الرئيس الدكتور بشار الأسد للحكومات المتعاقبة بضرورة إشراك النقابات في القرار ، لأن السيد الرئيس يدرك تماماً أهمية هذا الدور الذي تقوم به النقابات واستراتيجيته بشكل عام ، فالنقابات المهنية تعتبر حلقة الوصل ما بين مؤسسات الحكم الرسمية والجماهير ، وهي بحكم التصاقها بالجماهير تكون الأقدر على فهم واقع وحاجات ومشاكل هذه الجماهير ، وهي خير معبر عن آمالهم وطموحاتهم ومصالحهم ، وهنا تكمن أهمية أن يكون صوت هذه النقابات مسموعاً لدى صانع القرار لأنها قادرة على أن تزوده بالمعلومات الدقيقة اللازمة لعملية صنع القرار بحكمة ورشد ، إذا حسنت النوايا وصدقت الانتماءات ومن هنا كان النص الدستوري في الدستور السوري الجديد في المادة العاشرة منه مهماً واستراتيجياً بكل ما ورد بهذا النص من تفاصيل لا سيما ضمان الدولة لاستقلالية النقابات .

ومع هذا يمكن القول إن النقابات المهنية لا يقتصر دورها على تنظيم المهنة والدفاع عن مصالح أعضائها وحسب لأن هناك أهداف أيضاً أساسية واستراتيجية وأدواراً مهمة سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي .

فعلى الصعيد السياسي ... تقدم النقابات للدولة دعماً سياسياً مباشراً وإن اختلف في التفاصيل والسياسيات مع الحكومات ، وتشكل النقابات المهنية متنفساً طبيعياً نخبوياً وشعبياً لنشاطات وطنية تمثل هماً عاماً كحماية الوطن ، ومقاومة التطبيع مع العدو الصهيوني ، ودعم الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال ، ودعم محور المقاومة في التصدي للمشاريع التدميرية للأمة والوطن ، وهذا المتنفس الطبيعي والصحي المنضبط ، والموجَّه ، والمحكوم بالالتزام بالقانون والدستور ، والمصلحة العليا للوطن هو من أهم عوامل الاستقرار الذي بات يعتبر القيادات النقابية ، والوجوه النقابية ذات مصداقية عالية ، وجماهيرية شعبية تعدّت حدود نقاباتها ومنتسبيها ،  وكما أخرجت النقابات وتُخرّج دوماً قيادات سياسية فاعلة على كافة الصعد الحزبية والنيابية وصولاً إلى القيادات السياسية الوزارية أو الحكومية ، وللنقابات إسهاماتها في القضايا العامة ، ولها مواقفها من القضايا القومية والوطنية ، مما يعطيها دعماً شعبياً واسعاً لأن هذه المواقف هي مواقف ملتزمة غير مرتبطة مع أحد إلا مع مصلحة الوطن العليا ومصلحة الأمة والقانون .

واستطاعت النقابات المهنية أن تعبر عن مواقف قطاعات اجتماعية وثقافية كبيرة حيث إنها تتميز بمقدرتها على الاتصال والتواصل مع الحكومة والبرلمان والقيادة والقائد من خلال العلاقات المفتوحة في سورية بين هذه القيادات من أعلى هرمها وهذه النقابات  ، واستطاعت النقابات إثبات قدرتها على إيصال المطالب الجماهيرية إلى مفردات النظام السياسي ومفاصل صنع القرار .

أما على الصعيد الاقتصادي ... فتشكل النقابات المهنية ذروة الهرم المهني الاقتصادي في المجتمع السوري وفي أي مجتمع متحضر ، وتنظم هذه المهن وتضبط ممارستها وفق قوانين وأنظمة تعود بالنتيجة على المجتمع وعلى أصحاب هذه المهن بالنفع وتحقيق المصالح الاجتماعية والاقتصادية وهذا أمر يعتبر غاية في الأهمية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي ، وتوسيع قاعدة هذه النقابات بالتأكيد يعمّق الاستقرار الاقتصادي أكثر ويمأسسه ،  ويضبطه أياً كان نوع هذه المهنة وشكلها .

وإذا افترضنا أهمية الدور الاقتصادي الذي تقوم به النقابات المهنية ، وافترضنا أن المستوى الاقتصادي لمنتسبي النقابات المهنية يمثل الشريحة الوسطى أو الأعلى قليلاً ، وما يقومون به من تحريك لعجلة الاقتصاد في قطاعات أخرى ذات علاقة وصلة يتبين لنا الدور الحيوي للنقابات المهنية ، ولا شك على هذا الصعيد تقدم النقابات لأعضائها سلسلة طويلة من خدمات التأمين الاجتماعي وتوفر لهم مظلة استراتيجية لهذه التأمينات من خلال صناديق تتحمل فيها عن الدولة العبء الأكبر في القيام بمسؤولياتها تجاه هذه الشريحة من المواطنين ، فهذه الصناديق تقدم تأميناً صحياً واجتماعياً ، كما تؤمن ضماناً في حالة التقاعد ومعونات في حالتي الوفاة والتقاعد ، وتقدم نظاماً تكافلياً اجتماعياً ... ونظاماً تعاونياً ... إلخ .

فهذه الصناديق كلها تمكن المنتسبين من بناء حياتهم المهنية ، والاجتماعية والاقتصادية ، منذ تخرجهم ويتعداهم إلى عائلاتهم وأبنائهم وإلى الدولة وهي المكلفة أصلاً وقانوناً ودستوراً بتأمين الحياة الكريمة للمواطن أياً يكن ...

ولا يغيب أبداً دور هذه النقابات في الدفاع المستمر عن الاقتصاد الوطني وحمايته من الاختراق والسيطرة والتغوّل الأجنبي وهذا ليس منّة بل واجب بكل المعايير .

أما على صعيد التنمية الاجتماعية ... فلا يغيب عنا دور النقابات بتِأمين منتسبيها بفرص العمل ومحاربة البطالة والدفاع عن مكتسبات أعضائها ومصالحهم والسعي لرفع مستواهم الاقتصادي ، والمهني ، والعلمي ، مما ينعكس إيجاباً وبشكل كبير على تعميق الاستقرار الاجتماعي والذي هو الرأسمال الحقيقي للوطن وصفته التي يتغنى بها بالمعنى الاستراتيجي وليس بالمعنى الخطابي الشعاراتي السياسي ، ولا شك لا يستطيع أحد إنكار الدور الهام للنقابات المهنية في مجال النشاطات الاجتماعية والثقافية والتي تنعكس آثارها الإيجابية بوضوح على المجتمع ولو أن الأمر نسبي ويختلف بين نقابة وأخرى ، هذه النشاطات التي يجب أن تدرك القيادات النقابية تفعيلها لما لها من دور هام وأساسي في حراك المجتمع وتعميق العلاقات بين أفراده وصناعة ثقافة التواصل والأهم من ذلك ، النشاطات العلمية والمهنيّة المتخصّصة من مؤتمرات وندوات وورش عمل ومحاضرات ودورات تدريبية مكثفة وزيارات علميّة .

خلاصة القول ، إنّ النقابات المهنية تفاعلت تفاعلاً اجتماعياً كبيراً وهاماً واستراتيجياً مع مجتمعها الوطني والقومي وغدت مقصداً للمشاركات ومتنفساً كبيراً للجماهير المنتمية لوطن وأمّة ، وأثّرت في النسق الاجتماعي والثقافي للمجتمع الوطني بشكل إيجابي كبير ومؤثر ، لكن السؤال ختاماً ...

هل تستطيع النقابات المهنية في هذه الظروف البالغة الأهمية والاستثنائية التي تعيشها الأمّة والدول القطريّة العربية وخاصّة في القادم من الأيام وهو صعب ، أن يكون لها دوراً أساسيّاً في إعادة الإعمار بكل معانيه الإنسانية ، والاجتماعية ، والاقتصادية ، والسياسيّة بعد حرب كونيّة كبرى على دول الجمهوريّات العربية وفي مقدّمتها سورية والعراق ومصر ؟ القادم من الأيام سيجيب ... فلنفكّر ...

نقيب المحامين في الجمهورية العربية السورية

نزار السكيف

Comments (0 posted):

Post your comment comment

Please enter the code you see in the image:

أحدث مواضيع المنتدى
  • email Email to a friend
  • print Print version
  • Plain text Plain text
Tags
No tags for this article
Rate this article
0